جمال الدين بن نباتة المصري
233
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ومن نوادره وكلامه في البخل ، كان يقول : من شرف البخل أنّك تقول للسائل : لا ، ورأسك إلى فوق ، ومن ذلّ العطاء أنك تقول : نعم ، ورأسك « 1 » إلى أسفل . وكان يقول : سماع الغناء برسام « 2 » حادّ ؛ لأنّ الإنسان يسمع فيطرب ، فينفق فيسرف ، فيقتصر فيغتمّ ، فيعتلّ فيموت . وقال عمر بن ميمون : تغدّيت يوما عند الكندىّ ، فدخل جار له ، فدعوته إلى الطعام ، فقال الرّجل : واللّه تغدّيت ، فقال الكندىّ : ما بعد اللّه شيء ! فكتفه كتافا لو نشط ليأكل معه لكان كافرا . ومن وصيّته لولده : يا بنىّ ، كن مع الناس كلاعب الشّطرنج تحفظ شيئك وتأخذ من شيئهم ، فإنّ مالك إذا خرج عن يديك لم يعد « 3 » إليك ؛ واعلم أن الدّينار محموم ، فإذا صرفته مات . واعلم أنّه ليس شيء أسرع فناء من الدّينار إذا كسر ، والقرطاس إذا نشر ؛ ومثل الدرهم كمثل الطّير الذي هو لك ما دام في يدك ، فإذا طار عنك صار لغيرك . وقال المتلمّس : قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير مع الفساد « 4 » لحفظ المال خير من نفاد * وسير في البلاد بغير زاد وأعرف هنا بيتا بيّت أكثر من مائة ألف في المساجد . وهو قول القائل : فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى * تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا فاحذر يا بنىّ أن تلحق بهم .
--> ( 1 ) ط : « وأنت رأسك » . ( 2 ) البرسام : علّة يهذى فيها المريض . ( 3 ) د : « ما يعود » . ( 4 ) الشعر والشعراء 136 .